Rabu, 09 Mei 2012

Hukum Berobat


·بســـم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين , والصلاة والســلام على ســـيدنا محمد
وعلى آله وصحبه اجمعين , اما بعد .


قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : { إنَّ اللَّهَ
أَنـْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ , وَجَعَـلَ لِكـُلِّ دَاءٍ دَوَاءً ,
فـَتـَدَاوَوْا , وَلا تـَتـَدَاوَوْا بِالـْحَرَامِ }


اللهم ارحمنا يوم لا ينفع دواء الطبـيب
, ولا بكاء الحبـيب , ولا دهـشـــة القريب.

باب
التـداوي :


تـَدَاوِي التـَّعْرِيفُ :


1-    التـَّدَاوِي لـُغَة ً : مَصْدَرُ تـَدَاوَى أَيْ : تـَعَاطَى
الدَّوَاءَ , وَأَصْـلـُهُ دَوِيَ يَدْوِي دَوًى أَيْ مَرِضَ , وَأَدْوَى فُلانـًا
يُدْوِيهِ بِمَعْـنـَى : أَمْرَضَهُ , وَبِمَعْـنـَى : عَالَجَهُ أَيْضًا ,
فـَهِيَ مِنْ الأَضْدَادِ , وَيُدَاوِي : أَيْ
يُعَالِجُ , وَيُدَاوِي بِالشَّيْءِ أَيْ : يُعَالِجُ بِهِ , وَتـَدَاوَى
بِالشَّيْءِ : تـَعَالَجَ بِهِ , وَالدَّوَاءُ وَالدَّوَاءُ وَالدِّوَاءُ : مَا
دَاوَيْـتـه بـِهِ . وَلا يَخْرُجُ اسْـتِعْمَالُ الـْـفـُـقـَهَاءِ لَهُ عَنْ
هَذَا الـْمَعْـنـَى , كَمَا تـَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ عِبَارَاتـُهُمْ .


( الأَلـْـفـَاظُ ذَاتُ
الصِّـلـَةِ ) :

أ-     التـَّطـْبِـيبُ :


2-    التـَّطـْبِـيبُ لـُغَة ً : الـْمُدَاوَاة ُ وَالـْعِلاجُ , يـُقـَالُ
: طَبَّ فـُلانٌ فُلانـًا أَيْ : دَاوَاهُ , 
وَجَاءَ يَسْـتـَطِبُّ لِوَجَعِـهِ : أَيْ يَسْـتـَوْصِفُ الأَدْوِيَة َ
أَيُّهَا يَصْــلُحُ لِدَائِهِ . 
وَالطـِّبُّ : عِلاجُ الـْجِسْمِ وَالنـَّـفـْسِ , فَالتـَّطْبِيبُ
مُرَادِفٌ لِلْمُدَاوَاةِ .

ب-   التَّمْرِيضُ :


3-    التـَّمْرِيضُ مَصْدَرُ مَرَّضَ , وَهُوَ التـَّكَفـّـُـلُ
بِالـْمُدَاوَاةِ . يُقَالُ : مَرَّضَهُ تـَمْرِيضًا : إذَا قـَامَ عَلـَيْهِ
وَوَلِيَهُ فِي مَرَضِهِ وَدَاوَاهُ لِيَـزُولَ مَرَضُهُ , وَقـَالَ بَعْضُهُمْ :
التـَّمْرِيضُ حُسْنُ الـْـقِيَامِ عَلَى الـْمَرِيضِ .

ج-    الإِسْعَافُ :


4-    الإِسْعَافُ فِي اللـُّغَةِ : الإِعَانـَة ُ وَالـْمُعَالَجَة ُ
بِالـْمُدَاوَاةِ , وَيَكُونُ الإِسْعَافُ فِي حَالِ الـْمَرَضِ وَغَيْرِهِ ,
فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ التـَّدَاوِي ; لأَنـَّهُ لا يَكـُونُ إلا فِي حَالِ الـْمَرَضِ
.


( حُكـْمُهُ
التـَّكـْـلِيفِيُّ ) :


5-    التـَّدَاوِي مَشْرُوعٌ مِنْ حَيْثُ الْجُمْـلَة ُ ; لِمَا رَوَى
أَبُو الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم :{ إنَّ اللَّهَ أَنـْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ , وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ
دَوَاءً , فَتَدَاوَوْا, وَلا تَتَدَاوَوْا بِالْحَرَام}, وَلِحَدِيثِ أُسَامَةَ
بْنِ شَرِيكٍ رضي الله عنه قَالَ : { قَالَتْ الأَعْرَابُ يَا رَسُولَ اللَّهِ
أَلا نَتَدَاوَى ؟ قَالَ : نَعَمْ عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا , فَإِنَّ اللَّهَ
لَمْ يَضَعْ دَاءً إلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً إلا دَاءً وَاحِدًا . قَالُوا : يَا
رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : الْهَرَمُ } . وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه
قَالَ : { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الرُّقَى , فَجَاءَ آلُ
عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا
رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنْ الْعَقْرَبِ : فَإِنَّك نَهَيْت عَنْ الرُّقَى
فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ , فَقَالَ : مَا أَرَى بِهَا بَأْسًا , مَنْ اسْتَطَاعَ
مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ } . وَقَالَ صلى الله عليه وسلم : {
لا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ } وَلِمَا ثَبَتَ مِنْ فِعْلِ
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ تَدَاوَى , فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ
أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّ عُرْوَةَ كَانَ يَقُولُ لِعَائِشَةَ : يَا
أُمَّتَاهُ , لا أَعْجَبُ مِنْ فِقْهِك , أَقُولُ : زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى
الله عليه وسلم وَابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ , وَلا أَعْجَبُ مِنْ عِلْمِك بِالشِّعْرِ
وَأَيَّامِ  النَّاسِ , أَقُولُ : ابْنَةُ
أَبِي بَكْرٍ , وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ أَوْ مِنْ أَعْلَمْ النَّاسِ , وَلَكِنْ
أَعْجَبُ مِنْ عِلْمِك بِالطِّبِّ , كَيْفَ هُوَ ؟ وَمِنْ أَيْنَ هُوَ ؟ قَالَ :
فَضَرَبَتْ عَلَى مَنْكِبَيْهِ, وَقَالَتْ : " أَيْ عُرَيَّةُ ؟ إنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَسْقَمُ عِنْدَ آخِرِ عُمْرِهِ , وَكَانَتْ
تَقْدَمُ عَلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ , فَكَانَتْ تَنْعَتُ لَهُ
الْأَنْعَاتَ , وَكُنْتُ أُعَالِجُهَا لَهُ , فَمِنْ ثَمَّ عَلِمْت ". وَفِي
رِوَايَةٍ : { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَثُرَتْ أَسَقَامُهُ ,
فَكَانَ يَقْدَمُ عَلَيْهِ أَطِبَّاءُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ , فَيَصِفُونَ لَهُ
فَنُعَالِجُهُ } . وَقَالَ الرَّبِيعُ : سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ :
الْعِلْمُ عِلْمَانِ : عِلْمُ الأَدْيَانِ وَعِلْمُ الأَبْدَانِ .


6-    وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ( الْحَنَفِيَّةِ
وَالْمَالِكِيَّةِ ) إلَى أَنَّ التَّدَاوِيَ مُبَاحٌ , غَيْرَ أَنَّ عِبَارَةَ
الْمَالِكِيَّةِ : لا بَأْسَ بِالتَّدَاوِي . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ ,
وَالْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ الْحَنَابِلَةِ إلَى
اسْتِحْبَابِهِ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : { إنَّ اللَّهَ
أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ , وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا ,
وَلا تَتَدَاوَوْا بِالْحَرَامِ } . وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الأَحَادِيثِ
الْوَارِدَةِ , وَاَلَّتِي فِيهَا الأَمْرُ بِالتَّدَاوِي . قَالُوا :
وَاحْتِجَامُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَتَدَاوِيهِ دَلِيلٌ عَلَى
مَشْرُوعِيَّةِ التَّدَاوِي . وَمَحَلُّ الاسْتِحْبَابِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ
عِنْدَ عَدَمِ الْقَطْعِ بِإِفَادَتِهِ . أَمَّا لَوْ قَطَعَ بِإِفَادَتِهِ
كَعَصْبِ مَحَلِّ الْفَصْدِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ . وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْحَنَابِلَةِ
: أَنَّ تَرْكَهُ أَفْضَلُ , وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ , قَالُوا : لأَنَّهُ
أَقْرَبُ إلَى التَّوَكُّلِ . قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : فِي الأَحَادِيثِ
الصَّحِيحَةِ الأَمْرُ بِالتَّدَاوِي , وَأَنَّهُ لا يُنَافِي التَّوَكُّلَ ,
كَمَا لا يُنَافِيهِ دَفْعُ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ
بِأَضْدَادِهَا , بَلْ لا تَتِمُّ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ إلا بِمُبَاشَرَةِ
الأَسْبَابِ الَّتِي نَصَبَهَا اللَّهُ مُقْتَضِيَاتٍ لِمُسَبَّبَاتِهَا قَدَرًا
وَشَرْعًا , وَأَنَّ تَعْطِيلَهَا يَقْدَحُ فِي نَفْسِ التَّوَكُّلِ , كَمَا
يَقْدَحُ فِي الأَمْرِ وَالْحِكْمَةِ, وَيُضْعِفُهُ مِنْ حَيْثُ يَظُنُّ
مُعَطِّلُهَا أَنَّ تَرْكَهَا أَقْوَى فِي التَّوَكُّلِ , فَإِنَّ تَرْكَهَا
عَجْزٌ يُنَافِي التَّوَكُّلَ الَّذِي حَقِيقَتُهُ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى
اللَّهِ فِي حُصُولِ مَا يَنْفَعُ 
الْعَبْدَ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ , وَدَفْعِ مَا يَضُرُّهُ فِي دِينِهِ
وَدُنْيَاهُ, وَلا بُدَّ مَعَ هَذَا الاعْتِمَادِ مِنْ مُبَاشَرَةِ الأَسْبَابِ ,
وَإِلا كَانَ مُعَطِّلا لِلْحِكْمَةِ وَالشَّرْعِ , فَلا يَجْعَلُ الْعَبْدُ
عَجْزَهُ تَوَكُّلا , وَلا تَوَكُّلُهُ عَجْزًا .

أَنْوَاعُ التَّدَاوِي :


7-         

التَّدَاوِي قَدْ يَكُونُ بِالْفِعْلِ
أَوْ بِالتَّرْكِ , فَالتَّدَاوِي بِالْفِعْلِ : يَكُونُ بِتَنَاوُلِ الأَغْذِيَةِ
الْمُلَائِمَةِ لِحَالِ الْمَرِيضِ, وَتَعَاطِي الأَدْوِيَةِ وَالْعَقَاقِيرِ ,
وَيَكُونُ بِالْفَصْدِ وَالْكَيِّ وَالْحِجَامَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ
الْعَمَلِيَّاتِ الْجِرَاحِيَّةِ . فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما
مَرْفُوعًا { الشِّفَاءُ فِي ثَلاثَةٍ : فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ , أَوْ شَرْبَةِ
عَسَلٍ , أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ , وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنْ الْكَيِّ } وَفِي
رِوَايَةٍ { وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ } . 
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا    
{ خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ السَّعُوطُ , وَاللَّدُودُ, وَالْحِجَامَةُ,  وَالْمَشْيُ } وَإِنَّمَا كَرِهَ الرَّسُولُ
صلى الله عليه وسلم الْكَيَّ لِمَا فِيهِ مِنْ الأَلَمِ الشَّدِيدِ وَالْخَطَرِ
الْعَظِيمِ , وَلِهَذَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُ فِي أَمْثَالِهَا " آخِرُ
الدَّوَاءِ الْكَيُّ " وَقَدْ { كَوَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم
سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ وَغَيْرَهُ } , وَاكْتَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ
, فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّهْيِ لَيْسَ الْمَنْعُ , وَإِنَّمَا
الْمُرَادُ مِنْهُ التَّنْفِيرُ عَنْ الْكَيِّ إذَا قَامَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ .
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ : وَلَمْ يُرِدْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم
الْحَصْرَ فِي الثَّلاثَةِ,  فَإِنَّ
الشِّفَاءَ قَدْ يَكُونُ فِي غَيْرِهَا , وَإِنَّمَا نَبَّهَ بِهَا عَلَى أُصُولِ
الْعِلاجِ .


وَأَمَّا التَّدَاوِي بِالتَّرْكِ : فَيَكُونُ بِالْحِمْيَةِ
, وَذَلِكَ بِالامْتِنَاعِ عَنْ كُلِّ مَا يُزِيدُ الْمَرَضَ أَوْ يَجْلِبُهُ إلَيْهِ,
سَوَاءٌ كَانَ بِالامْتِنَاعِ عَنْ أَطْعِمَةٍ وَأَشْرِبَةٍ مُعَيَّنَةٍ , أَوْ
الامْتِنَاعِ عَنْ الدَّوَاءِ نَفْسِهِ إذَا كَانَ يَزِيدُ مِنْ حِدَّةِ
الْمَرَضِ.{ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِعَلِيٍّ رضي الله عنه حِينَ أَرَادَ
أَنْ يَأْكُلَ مِنْ الدَّوَالِي إنَّك نَاقِهٌ}.


التَّدَاوِي بِالنَّجَسِ
وَالْمُحَرَّمِ :


8-    اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّدَاوِي
بِالْمُحَرَّمِ وَالنَّجَسِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ , لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى
الله عليه وسلم : { إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ
عَلَيْكُمْ }  وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه
وسلم : { إنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ , وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ
دَوَاءً , فَتَدَاوَوْا , وَلا تَتَدَاوَوْا بِالْحَرَامِ } وَعَنْ عُمَرَ رضي الله
عنه أَنَّهُ كَتَبَ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ " إنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّك
تُدَلِّكُ بِالْخَمْرِ , وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ظَاهِرَ الْخَمْرِ
وَبَاطِنَهَا , وَقَدْ حَرَّمَ مَسَّ الْخَمْرِ كَمَا حَرَّمَ شُرْبَهَا , فَلا
تُمِسُّوهَا أَجْسَادَكُمْ , فَإِنَّهَا نَجَسٌ " . وَقَدْ عَمَّمَ الْمَالِكِيَّةُ
هَذَا الْحُكْمَ فِي كُلِّ نَجَسٍ وَمُحَرَّمٍ , سَوَاءٌ أَكَانَ خَمْرًا , أَمْ
مَيْتَةً , أَمْ أَيَّ شَيْءٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , وَسَوَاءٌ كَانَ
التَّدَاوِي بِهِ عَنْ طَرِيقِ الشُّرْبِ أَوْ طِلاءِ الْجَسَدِ بِهِ , وَسَوَاءٌ
كَانَ صِرْفًا أَوْ مَخْلُوطًا مَعَ دَوَاءٍ جَائِزٍ , وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ
حَالَةً وَاحِدَةً أَجَازُوا التَّدَاوِيَ بِهِمَا , وَهِيَ أَنْ يَكُونَ
التَّدَاوِي بِالطِّلاءِ , وَيُخَافُ بِتَرْكِهِ الْمَوْتُ , سَوَاءٌ كَانَ
الطِّلاءُ نَجَسًا أَوْ مُحَرَّمًا , صِرْفًا أَوْ مُخْتَلِطًا بِدَوَاءٍ جَائِزٍ
. وَأَضَافَ الْحَنَابِلَةُ إلَى الْمُحَرَّمِ وَالنَّجَسِ كُلَّ مُسْتَخْبَثٍ ,
كَبَوْلِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ أَوْ غَيْرِهِ , إلا أَبْوَالَ الإِبِلِ فَيَجُوزُ
التَّدَاوِي بِهَا , وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ
الدَّوَاءَ الْمَسْمُومَ إنْ غَلَبَتْ مِنْهُ السَّلامَةُ , وَرُجِيَ نَفْعُهُ ,
أُبِيحَ شُرْبُهُ لِدَفْعِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ , كَغَيْرِهِ مِنْ
الأَدْوِيَةِ , كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ التَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ
وَالنَّجَسِ , بِغَيْرِ أَكْلٍ وَشُرْبٍ . وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا إلَى
حُرْمَةِ التَّدَاوِي بِصَوْتِ مَلْهَاةٍ , كَسَمَاعِ الْغِنَاءِ الْمُحَرَّمِ ;
لِعُمُومِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : { وَلا تَتَدَاوَوْا بِالْحَرَامِ } .
وَشَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ لِجَوَازِ التَّدَاوِي بِالنَّجَسِ وَالْمُحَرَّمِ أَنْ
يَعْلَمَ أَنَّ فِيهِ شِفَاءً , وَلا يَجِدُ دَوَاءً غَيْرَهُ , قَالُوا : وَمَا
قِيلَ إنَّ الاسْتِشْفَاءَ بِالْحَرَامِ حَرَامٌ غَيْرُ مُجْرًى عَلَى إطْلاقِهِ ,
وَإِنَّ الاسْتِشـــــْفَاءَ بِالْحَرَامِ إنَّمَا لا يَجُوزُ إذَا لَمْ يُعْـــلَمْ
أَنَّ فِيهِ شِـــفَاءً , أَمَّا إذَا عَـــلِمَ , وَلَيْسَ لَهُ دَوَاءٌ غَيْرَهُ
, فَيَجُوزُ . وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه " لَمْ
يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ "  يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ فِي دَاءٍ
عُرِفَ لَهُ دَوَاءٌ غَيْرَ الْمُحَرَّمِ , لأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَسْتَغْنِي
بِالْحَلالِ عَنْ الْحَرَامِ , وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ تَنْكَشِفُ الْحُرْمَةُ
عِنْدَ الْحَاجَةِ , فَلا يَكُونُ الشِّفَاءُ بِالْحَرَامِ , وَإِنَّمَا يَكُونُ
بِالْحَلالِ . وَقَصَرَ الشَّافِعِيَّةُ الْحُكْمَ عَلَى النَّجَسِ وَالْمُحَرَّمِ
الصِّرْفِ , فَلا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهِمَا , أَمَّا إذَا كَانَا
مُسْتَهْلَكَيْنِ مَعَ دَوَاءٍ آخَرَ , فَيَجُوزُ التَّدَاوِي بِهِمَا
بِشَرْطَيْنِ : أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالطِّبِّ , حَتَّى وَلَوْ كَانَ فَاسِقًا
فِي نَفْسِهِ , أَوْ إخْبَارِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ عَدْلٍ , وَأَنْ يَتَعَيَّنَ هَذَا
الدَّوَاءُ فَلا يُغْنِي عَنْهُ طَاهِرٌ . 
وَإِذَا كَانَ التَّدَاوِي بِالنَّجَسِ وَالْمُحَرَّمِ لِتَعْجِيلِ
الشِّفَاءِ بِهِ , فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى جَوَازِهِ بِالشُّرُوطِ
الْمَذْكُورَةِ عِنْدَهُمْ , وَلِلْحَنَفِيَّةِ فِيهِ قَوْلانِ .


التَّدَاوِي بِلُبْسِ الْحَرِيرِ
وَالذَّهَبِ :


9-    اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ
لِحِكَّةٍ ; لِمَا رَوَى أَنَسٌ رضي الله عنه { أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه
وسلم : رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ فِي الْقَمِيصِ
الْحَرِيرِ فِي السَّفَرِ مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا } . وَرَوَى أَنَسٌ
أَيْضًا : { أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ شَكَيَا إلَى
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْقَمْلَ فَأَرْخَصَ لَهُمَا فِي الْحَرِيرِ ,
فَرَأَيْته عَلَيْهِمَا فِي غَزَاةٍ } وَجَازَ لِلْمَرِيضِ قِيَاسًا عَلَى
الْحِكَّةِ وَالْقَمْلِ . وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الْحُرْمَةُ
مُطْلَقًا . وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى جَوَازِ لُبْسِهِ فِي الثَّلاثِ
الْمَذْكُورَةِ , وَلَوْ لَمْ يُؤَثِّرْ لُبْسُهُ فِي زَوَالِهَا , وَلَكِنْ لا
بُدَّ أَنْ يَكُونَ نَافِعًا فِي لُبْسِهِ . وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ عَصْبَ
الْجِرَاحَةِ بِالْحَرِيرِ مَعَ الْكَرَاهَةِ .


10-  كَمَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ الأَنْفِ مِنْ
الذَّهَبِ , وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ
مِنْ الْحَنَفِيَّةِ : السِّنَّ , وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ : الأُنْمُلَةَ . كَمَا
نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ : عَلَى جَوَازِ رَبْطِ السِّنِّ أَوْ
الأَسْنَانِ بِالذَّهَبِ . وَالأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ {
عَرْفَجَةَ
بْنَ أَسْعَدَ رضي الله عنه قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلابِ , فَاتَّخَذَ
أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ , فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ , فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه
وسلم فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ } . وَلِمَا رَوَى الأَثْرَمُ عَنْ مُوسَى
بْنِ طَلْحَةَ , وَأَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ , وَأَبِي رَافِعِ بْنِ ثَابِتٍ
الْبُنَانِيِّ وَإِسْمَاعِيلِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , وَالْمُغِيرَةِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ , أَنَّهُمْ شَدُّوا أَسْنَانَهُمْ بِالذَّهَبِ . وَالسِّنُّ
مَقِيسٌ عَلَى الأَنْفِ , وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقِيَاسِ الأُنْمُلَةَ
دُونَ الأُصْبُعِ وَالْيَدِ , قَالُوا : وَالْفَرْقُ بَيْنَ  الأُنْمُلَةِ وَالأُصْبُعِ أَوْ الْيَدِ
أَنَّهَا تَعْمَلُ بِخِلافِهِمَا , وَعِنْدَهُمْ وَجْهٌ أَنَّهُ يَجُوزُ ,
وَإِنَّمَا قَصَرَ الْحَنَفِيَّةُ الْجَوَازَ عَلَى الأَنْفِ فَقَطْ لِضَرُورَةِ
نَتْنِ الْفِضَّةِ ; لأَنَّ الْمُحَرَّمَ لا يُبَاحُ إلا لِضَرُورَةٍ . قَالُوا :
وَقَدْ انْدَفَعَتْ فِي السِّنِّ بِالْفِضَّةِ , فَلا حَاجَةَ إلَى الأَعْلَى ,
وَهُوَ الذَّهَبُ .

تَدَاوِي الْمُحْرِمِ :


11-  الأَصْلُ أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ الطِّيبِ , { لِقَوْلِ
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ
فَمَاتَ : لا تُمِسُّوهُ طِيبًا } وَفِي رِوَايَةٍ { لا تُحَنِّطُوهُ } فَلَمَّا
مُنِعَ الْمَيِّتُ مِنْ الطِّيبِ لإِحْرَامِهِ
فَالْحَيُّ أَوْلَى , وَمَتَى تَطَيَّبَ الْمُحْرِمُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ;
لأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ مَا حُظِرَ عَلَيْهِ بِالإِحْرَامِ , فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ
الْفِدْيَةُ كَاللِّبَاسِ . وَلَمْ يَسْتَثْنِ الْفُقَهَاءُ مِنْ هَذَا الأَصْلِ
مَا لَوْ تَدَاوَى الْمُحْرِمُ بِالطِّيبِ , أَوْ بِمَا لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ
, وَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ , غَيْرَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ خَصُّوا
الْحُكْمَ بِالطِّيبِ بِنَفْسِهِ كَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَالْكَافُورِ
وَنَحْوِهَا , وَأَمَّا الزَّيْتُ
وَالْخَلُّ مِمَّا فِيهِمَا رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ بِسَبَبِ مَا يُلْقَى فِيهِمَا
مِنْ الأَنْوَارِ كَالْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ إنْ
تَدَاوَى بِهَا . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ : وَإِنْ دَاوَى قُرْحَةً بِدَوَاءٍ
فِيهِ طِيبٌ , ثُمَّ خَرَجَتْ قُرْحَةٌ
أُخْرَى فَدَاوَاهَا مَعَ الأُولَى , فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ
مَا لَمْ تَبْرَأْ الأُولَى , وَلا فَرْقَ بَيْنَ قَصْدِهِ وَعَدَمِهِ . وَعَنْ
أَبِي يُوسُفَ رحمه الله أَنَّهُ إذَا خَضَّبَ ( أَيْ الْمُحْرِمُ ) رَأْسَهُ
بِالْوَسْمَةِ لأَجْلِ الْمُعَالَجَةِ مِنْ الصُّدَاعِ , فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ
بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُغَلِّفُ رَأْسَهُ , قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ : هَذَا
صَحِيحٌ أَيْ فَيَنْبَغِي أَنْ لا يَكُونَ فِيهِ خِلافٌ ; لأَنَّ التَّغْطِيَةَ
مُوجِبَةٌ بِالاتِّفَاقِ , غَيْرَ أَنَّهَا لِلْعِلاجِ , فَلِهَذَا ذَكَرَ
الْجَزَاءَ وَلَمْ يَذْكُرْ الدَّمَ . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : فِيهِ صَدَقَةٌ ;
لأَنَّهُ يُلَيِّنُ الشَّعْرَ وَيَقْتُلُ الْهَوَامَّ , فَإِنْ اسْتَعْمَلَ
زَيْتًا مُطَيَّبًا كَالْبَنَفْسَجِ وَالزَّنْبَقِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا كَدُهْنِ
الْبَانِ وَالْوَرْدِ , فَيَجِبُ بِاسْتِعْمَالِهِ الدَّمُ بِالاتِّفَاقِ ;
لأَنَّهُ طِيبٌ , وَهَذَا إذَا اسْتَعْمَلَهُ عَلَى وَجْهِ التَّطَيُّبِ , وَلَوْ
دَاوَى بِهِ جُرْحَهُ أَوْ شُقُوقَ رِجْلَيْهِ فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ;
لأَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ فِي نَفْسِهِ , إنَّمَا هُوَ أَصْلُ الطِّيبِ , أَوْ
طِيبٌ مِنْ وَجْهٍ , فَيُشْتَرَطُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى وَجْهِ التَّطَيُّبِ ,
بِخِلافِ مَا إذَا تَدَاوَى بِالْمِسْكِ وَمَا أَشْبَهَهُ ; لأَنَّهُ طِيبٌ
بِنَفْسِهِ , فَيَجِبُ الدَّمُ بِاسْتِعْمَالِهِ
وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّدَاوِي . وَفِي حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيِّ : أَنَّ
الْجَسَدَ وَبَاطِنَ  الْكَفِّ وَالرِّجْلَ
يَحْرُمُ دَهْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا كُلا أَوْ بَعْضًا , إنْ كَانَ لِغَيْرِ
عِلَّةٍ , وَإِلا فَلا حُرْمَةَ . وَأَمَّا الْفِدْيَةُ فَإِنْ كَانَ الدُّهْنُ
مُطَيَّبًا افْتَدَى مُطْلَقًا كَانَ الإِدْهَانُ لِعِلَّةٍ أَوْ لا . وَإِنْ
كَانَ غَيْرَ مُطَيَّبٍ , فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عِلَّةٍ افْتَدَى أَيْضًا ,
وَإِنْ كَانَ لِعِلَّةٍ فَقَوْلانِ . وَفِي الْكُحْلِ إذَا كَانَ فِيهِ طِيبٌ
حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الْمُحْرِمِ رَجُلا كَانَ أَوْ امْرَأَةً إذَا كَانَ
اسْتِعْمَالُهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ كَالزِّينَةِ , وَلا حُرْمَةَ إذَا
اسْتَعْمَلَهُ لِضَرُورَةِ حَرٍّ وَنَحْوِهِ , وَالْفِدْيَةُ لازِمَةٌ
لِمُسْتَعْمِلِهِ مُطْلَقًا اسْتَعْمَلَهُ لِضَرُورَةٍ أَوْ لِغَيْرِهَا . وَإِنْ
كَانَ الْكُحْلُ لا طِيبَ فِيهِ فَلا فِدْيَةَ مَعَ الضَّرُورَةِ , وَافْتَدَى فِي
غَيْرِهَا . وَفِي الإِقْنَاعِ لِلشِّرْبِينِيِّ الشَّافِعِيِّ : أَنَّ
اسْتِعْمَالَ الطِّيبِ حَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَكَرًا أَمْ غَيْرَهُ
, وَلَوْ أَخْشَمَ بِمَا يَقْصِدُ مِنْهُ رَائِحَتَهُ غَالِبًا وَلَوْ مَعَ
غَيْرِهِ كَالْمِسْكِ وَالْعُودِ وَالْكَافُورِ وَالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ ,
وَإِنْ كَانَ يُطْلَبُ لِلصَّبْغِ وَالتَّدَاوِي أَيْضًا , سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ
فِي مَلْبُوسِهِ كَثَوْبِهِ أَمْ فِي بَدَنِهِ ; لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم :
{ وَلا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ مَا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ } سَوَاءٌ
كَانَ ذَلِكَ بِأَكْلٍ أَمْ اسْتِعَاطٍ أَمْ احْتِقَانٍ , فَيَجِبُ مَعَ
التَّحْرِيمِ فِي ذَلِكَ الْفِدْيَةُ . وَلَوْ اسْتَهْلَكَ الطِّيبَ فِي
الْمُخَالِطِ لَهُ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ رِيحٌ وَلا طَعْمٌ وَلا لَوْنٌ , كَأَنْ
اُسْتُعْمِلَ فِي دَوَاءٍ , جَازَ اسْتِعْمَالُهُ وَأَكْلُهُ وَلا فِدْيَةَ.  وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الأَكْلُ أَوْ التَّدَاوِي
لا يَحْرُمُ وَلا فِدْيَةَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ رِيحٌ طَيِّبَةٌ ,
كَالتُّفَّاحِ وَالسُّنْبُلِ وَسَائِرِ الأَبَازِيرِ الطَّيِّبَةِ كَالْمُصْطَكَى
, لأَنَّ مَا يُقْصَدُ مِنْهُ الأَكْلُ أَوْ التَّدَاوِي لا فِدْيَةَ فِيهِ .
وَفِي الْمُغْنِي لابْنِ قُدَامَةَ حُرْمَةُ التَّدَاوِي بِمَا لَهُ رِيحٌ
طَيِّبَةٌ لِلْمُحْرِمِ . أَمَّا مَا لا طِيبَ فِيهِ كَالزَّيْتِ وَالشَّيْرَجِ
وَالسَّمْنِ وَالشَّحْمِ وَدُهْنِ الْبَانِ فَنَقَلَ الأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ
أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمُحْرِمِ يَدْهُنُ بِالزَّيْتِ وَالشَّيْرَجِ فَقَالَ :
نَعَمْ يَدْهُنُ بِهِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ , وَيَتَدَاوَى الْمُحْرِمُ بِمَا
يَأْكُلُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ صَدَعَ وَهُوَ
مُحْرِمٌ فَقَالُوا : أَلا نَدْهُنُك بِالسَّمْنِ ؟ فَقَالَ : لا . قَالُوا :
أَلَيْسَ تَأْكُلُهُ ؟ قَالَ : لَيْسَ أَكْلُهُ كَالإِدْهَانِ بِهِ . وَعَنْ
مُجَاهِدٍ قَالَ : إنْ تَدَاوَى بِهِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ .

أَثَرُ التَّدَاوِي فِي الضَّمَانِ :


12-  ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ إذَا لَمْ
يُدَاوِ جُرْحَهُ وَمَاتَ كَانَ عَلَى الْجَانِي الضَّمَانُ ; لأَنَّ التَّدَاوِيَ
لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلا مُسْتَحَبٍّ , فَتَرْكُهُ لَيْسَ بِقَاتِلٍ .  وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ عِلاجِ
الْجُرْحِ الْمُهْلِكِ وَغَيْرِهِ , فَإِنْ تَرَكَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عِلاجَ
الْجُرْحِ الْمُهْلِكِ وَمَاتَ , فَعَلَى الْجَانِي الضَّمَانُ ; لأَنَّ الْبُرْءَ
لا يَوْثُقُ بِهِ وَإِنْ عَالَجَ , وَأَمَّا إذَا كَانَ الْجُرْحُ غَيْرَ مُهْلِكٍ
فَلا ضَمَانَ عَلَى الْجَانِي .


التَّدَاوِي بِالرُّقَى وَالتَّمَائِمِ
:


13-     أَجْمَعَ
الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّدَاوِي بِالرُّقَى عِنْدَ اجْتِمَاعِ ثَلاثَةِ
شُرُوطٍ : أَنْ يَكُونَ بِكَلامِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ
, وَبِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ أَوْ بِمَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِهِ ,
وَأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الرُّقْيَةَ لا تُؤَثِّرُ بِذَاتِهَا بَلْ بِإِذْنِ
اللَّهِ تَعَالَى . فَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ : { كُنَّا
نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ , لا
بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ} 
وَمَا لا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ لا يُؤْمَنُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى الشِّرْكِ
فَيُمْنَعُ احْتِيَاطًا . وَقَالَ قَوْمٌ : لا تَجُوزُ الرُّقْيَةُ إلا مِنْ
الْعَيْنِ وَاللَّدْغَةِ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه { لا
رُقْيَةَ إلا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَّةٍ } وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى الْحَصْرِ
فِيهِ أَنَّهُمَا أَصْلُ كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إلَى الرُّقْيَةِ , وَقِيلَ :
الْمُرَادُ بِالْحَصْرِ مَعْنَى الأَفْضَلِ , أَوْ لا رُقْيَةَ أَنْفَعَ , كَمَا
قِيلَ لا سَيْفَ إلا ذُو الْفَقَارِ . وَقَالَ قَوْمٌ : الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مِنْ
الرُّقَى مَا يَكُونُ قَبْلَ وُقُوعِ الْبَلاءِ , وَالْمَأْذُونُ فِيهِ مَا كَانَ
بَعْدَ وُقُوعِهِ , ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْبَيْهَقِيُّ
وَغَيْرُهُمَا ; لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه مَرْفُوعًا { إنَّ
الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتَّوَلَةَ شِرْكٌ } وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا
كَانَ ذَلِكَ مِنْ الشِّرْكِ لأَنَّهُمْ أَرَادُوا دَفْعَ الْمَضَارِّ وَجَلْبَ
الْمَنَافِعِ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ , وَلا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا كَانَ
بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَكَلامِهِ , وَقَدْ ثَبَتَ فِي الأَحَادِيثِ اسْتِعْمَالُ
ذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ كَحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها { أَنَّ النَّبِيَّ
صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ بِ قُلْ
هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَبِالْمُعَوِّذَتَيْنِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ } .
وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما { أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم
كَانَ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ  التَّامَّةِ , مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ
} . قَالَ الرَّبِيعُ : سَأَلْت الشَّافِعِيَّ عَنْ الرُّقْيَةِ فَقَالَ : لا
بَأْسَ أَنْ يَرْقِيَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَمَا يَعْرِفُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ .
قُلْت : أَيَرْقِي أَهْلُ الْكِتَابِ الْمُسْلِمِينَ ؟ قَالَ : نِعْمَ إذَا رَقُوا
بِمَا يُعْرَفُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَبِذِكْرِ اللَّهِ , وَقَالَ ابْنُ التِّينِ
: الرُّقْيَةُ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ هُوَ
الطِّبُّ الرُّوحَانِيُّ , إذَا كَانَ عَلَى لِسَانِ الأَبْرَارِ مِنْ الْخَلْقِ
حَصَلَ الشِّفَاءُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى , فَلَمَّا عَزَّ هَذَا النَّوْعُ
فَزِعَ النَّاسُ إلَى الطِّبِّ الْجُسْمَانِيِّ

Oleh Muhammad Zakaria di Fiqh Kontemporer

0 komentar:

Poskan Komentar

 

jancok © 2008. Design By: SkinCorner